الخميس , 17 أغسطس 2017
الرئيسية » شبهات وهمية » هل يستطيع الإنسان رؤية الله؟

هل يستطيع الإنسان رؤية الله؟

السؤال
على حسب كلام يوحنا 1: 18 الله لم يره أحد أبداً اقرأ :
يوحنا 1 عدد 18 “الله لم يره احد قط.الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر”

لكننا نجد عكس ذلك كما يلي :
موسى  رأى الله وجهاً لوجه  سفر الخروج 33: 11: ويكلم الرب موسى وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه.وإذا رجع موسى إلى المحلّة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة.

وأيوب رأى الله بعينه : أيوب 42 عدد 5:  “بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني”

 وداود رأى الله في قدسه :مزمور63 عدد 2 :  “لكي أبصر قوتك ومجدك كما قد رأيتك في قدسك.”

 وإبراهيم رأى الله عندما ظهر الله له :أعمال 7 عدد  2 : “فقال أيها الرجال الإخوة والآباء اسمعوا.ظهر اله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين قبلما سكن في حاران”

ونعيد السؤال كالمعتاد ، هل الله رآه أحد غير الابن أم لم يراه أحد؟ رجاء ادعم إجابتك بنصوص الكتاب المقدس.

الإجابة
الله لم يره أحد قط: حقيقة كتابية لا تقبل الجدال يؤكدها العقل والمنطق، و أيضا ما تجمع لدينا من حقائق تخص الله الذي هو إله غير محدود، وبالتالي الإنسان المحدود لا يمكن أن يراه، فإذا رآه فهناك أمر واحد من أمرين: أن يكون قد تخلص من محدوديته تلك التي هي عبارة عن جسد من لحم وعظام، أو أن يأخذ الله صورة وشكل الجسد وهذا جائز ولا يتنافي مع صفات الله التي من ضمنها أنه قادر على كل شيء.

بعد هذه المقدمة البسيطة التي لا أعتبرها خروجاً عن الموضوع، علينا الآن أن نفند الآيات المذكورة ونرى إن كانت تتناقض مع بعضها أم لا.
الله لا يراه أحد:
يكلم موسى الرب وجهاً لوجه (خروج 33: 11)، الغريب أن هذه الآية الموجودة في سفر الخروج تفسرها آية موجودة في الأصحاح نفسه وبوضوح، اقرأ معي بداية من العدد 18 من نفس الأصحاح، عندما طلب موسى أن يرى مجد الله، ” فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ». فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى»”. إذاً فتعبير أن موسى يرى الله وجهاً لوجه تعبير يفسر نفسه بنفسه، ان الله يريه ما يسمح بأن موسى يعيش، إن مجرد النظر (وراء الرب) هو خطر داهم بالنسبة لموسى، الذي هو كليم الله، هذا كل ما رآه موسى من الرب. فأين التناقض؟

أيوب 42: 5 “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. 6 لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ”
هل هنا يوضح النص أنه رأى الله بالفعل؟! .. أنه تعبير بلاغي واضح يعبر عن معرفته به معرفة حقيقية بعد أن دخل معه في حوار لصيق فعرف مقدار صغر حجمه مقابل عظمة الله، وجهله مقابل حكمة الله، هذا التعبير البلاغي مألوف ومنتشر، أن تعرف شخصاً وتراه من خلال الكلام معه، فنحن إذا قرأنا لأحد الكتاب المشهورين مثلا، نستطيع أن نكون فكرة عنه، حتى يأتي الوقت الذي فيه نقول أننا قد حفظنا هذا الكاتب ودرسنا أسلوبه عن ظهر قلب، فنكون كما لو كنا قد رأينا هذا الكاتب.
نفس الكلام ينطبق على داود أو أشعياء، لقد رأيا مجد الرب من خلال صلاتهما له، وتعاملهما معه، عرفا وميزا صوته فرأياه … كيف لا تفهم هذه التعبيرات البلاغية الواضحة جدا!!
أما عن ابراهيم الذي رأى الرب، لنقرأ النص من خلال سفر التكوين وليس من سفر الأعمال، لأن التكوين هو الأصل.

تكوين 12: 1 “وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.”

الآن لنقابله بسفر الأعمال7: 2 “قَالَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا! ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ.”

ألا ترى معي بوضوح أن في هذين النصين لا يوجد أي دليل على الرؤية المباشرة؟!! لقد كان إبراهيم يرى الرب من خلال المعرفة به وليس من خلال رؤية مجده، وهذا مختلف.

الاستنتاج النهائي
الإنسان لم يستطع أن يرى الله مطلقاً في عدم محدوديته، وكل التعبيرات المذكورة في العهد القديم أن هناك أناساً قد رأوا الله، فهم قد رأوا إما مبعوثين من قبل الله يتحدثون بسلطان الله نفسه، أو رأوا أعماله.
فهم لم يروا الله في مجده وبهائه بل رأوا تجلياً يتكلم بسلطان الله. وهذا بسماح من الله لكي يتواصل مع الإنسان، وهو على كل شئ قدير.

يتضح أيضاً من خلال سفر الأعمال وحديث استفانوس أن الذي كان موسى يكلمه لم يكن الله بل ملاك الله لأن الله مجيد ومجده رهيب جداً بحيث لا يستطيع الإنسان أن يرى الله ويعيش. اقرأ معي هذه النصوص التي تتحدث بشكلٍ واضح عن الذي حصل في أيام موسى وقيادته للشعب في البرية “وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذلِكَ تَعَجَّبَ مِنَ الْمَنْظَرِ. وَفِيمَا هُوَ يَتَقَدَّمُ لِيَتَطَلَّعَ، صَارَ إِلَيْهِ صَوْتُ الرَّبِّ: أَنَا إِلهُ آبَائِكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. فَارْتَعَدَ مُوسَى وَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يَتَطَلَّعَ. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: اخْلَعْ نَعْلَ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ.” . (أعمال 7: 30-34)

في الأعداد أعلاه يتحدث الملاك بسلطان إلهي وباسم الله، وفي الأعداد التالية يتضح أن الذي كان يقوم بالضربات كان الله عن طريق الملاك.

لاحظ النص التالي: “هذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ قَائِلِينَ: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيسًا وَقَاضِيًا؟ هذَا أَرْسَلَهُ اللهُ رَئِيسًا وَفَادِيًا بِيَدِ الْمَلاَكِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ فِي الْعُلَّيْقَةِ. هذَا أَخْرَجَهُمْ صَانِعًا عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ، وَفِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.” (أعمال 7: 35-36)

لاحظ أيضاً الأعداد التالية “هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ. هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، مَعَ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا. الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا.” (أعمال 7: 37-38).

واضح جداً أن الذي كان يتكلم مع موسى في الجبل كان الملاك وليس الله. لذلك ما هو غير واضح في العهد القديم يتضح لنا بجلاء في العهد الجديد الذي هو إعلان الله أيضاً كما العهد القديم. ما ينطبق على هذه الأعداد ينطبق على كل الكتاب المقدس، أي أن الكتاب المقدس عندما يُعْلِن أن الإنسان لا يستطيع أن يرى الله ويعيش، فلا يمكن أن يناقض نفسه. الملائكة لأنها أرواح مخلوقة من نار تستطيع أن تظهر في ظهورات خاصة وتمارس أعمالاً تكون أحياناً مرئية وأحياناً أخرى مخفية. ويبدو أنه من ضمن مخططات الله أن يكون عمل الملائكة يغلبه عامل الخفية أكثر من عامل الرؤية والوضوح، هذا عمل الله وضمن مخططاته الأزلية، كذلك يجب ألا يغيب عن السائل أن الكتاب المقدس يستخدم صيغاً أدبية وأشكالاً بلاغية.

أرجو أن أكون قد وضَّحْتُ بما فيه الكفاية.

عماد حنا
ماجستير في اللاهوت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*